محمد بن جرير الطبري

201

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السدي ، قوله : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ قال : لا تحزن القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله ، وهم أهل الإسلام ، وَالَّذِينَ هادُوا وهم اليهود والصابئون . وقد بينا أمرهم . وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فصدق بالبعث بعد الممات ، وعمل من العمل صالحا لمعاده ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها بعد معاينتهم ما أمرهم الله به من جزيل ثوابه . وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ يقول تعالى ذكره : أقسم لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص وتوحيدنا ، والعمل بما أمرناهم به ، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ، ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيل من الثواب ، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديد من العقاب ، كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبتهم كذبوا منهم فريقا ويقتلون منهم فريقا ، نقضا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم ، وجراءة علينا وعلى خلاف أمرنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ . . . وَصَمُّوا كَثِيرٌ يقول تعالى : وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم أنه أخذ ميثاقهم وأنه أرسل إليهم رسلا ، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا ، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبار بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون . فَعَمُوا وَصَمُّوا يقول : فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم من إخلاص عبادتي ، والانتهاء إلى أمري ونهيي ، والعمل بطاعتي بحسبانهم ذلك وظنهم ، وصموا عنه . ثم تبت عليهم ، يقول : ثم هديتهم بلطف مني لهم ، حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليه من معاصيتي وخلاف أمري ، والعمل بما أكرهه منهم إلى العمل بما أحبه ، والانتهاء إلى طاعتي وأمري ونهيي . ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ يقول : ثم عموا أيضا عن الحق والوفاء بميثاقي الذي أخذته عليهم من العمل بطاعتي والانتهاء إلى أمري واجتناب معاصيي ، وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ يقول : عمى كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بني إسرائيل باتباع رسلي والعمل بما أنزلت إليهم من كتبي عن الحق ، وصموا بعد توبتي عليهم واستنقاذي إياهم من الهلكة . اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يقول : بصير فيرى أعمالهم خيرها وشرها ، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ الآية ، يقول : حسب القوم أن لا يكون بلاء فعموا وصموا ، كلما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فيه حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا يقول : حسبوا أن لا يبتلوا ، فعموا عن الحق وصموا حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن مبارك ، عن الحسن : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال بلاء حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال : الشرك حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا قال : اليهود حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج ، عن مجاهد : فَعَمُوا وَصَمُّوا قال : يهود . قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، قال : هذه الآية لبني إسرائيل . قال : والفتنة : البلاء والتمحيص القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ